تأملات في حادثة الإفك 3

سماحة الشيخ علي آل محسن مسجد إبراهيم الخليل (ع) ـ سيهات: حي النور ـ محافظة القطيف

 

قال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 11].

الرواية المشهورة عند أهل السنة في سبب نزول آيات الإفك في سورة النور، من الآية 11 إلى الآية 25، هي رواية عائشة التي رواها البخاري 3/1484، ومسلم 4/2129 في صحيحيهما.

 

وفيها أن جماعة من الصحابة اتهموا عائشة بالزنا مع صفوان بن المعطل السلمي، وهي رواية مفصلة وطويلة جداً، وفي ختامها نزلت آيات الإفك التي تبرِّئ عائشة مما اتهمت به.

 

ولكن يرد على هذه الرواية عدة إشكالات، تجعلنا لا نقبل هذه الرواية، ونردّها، ولا نعول عليها.

 

إشكالات على حديث الإفك المروي عن عائشة:

1) أن النبي شكَّ في براءة عائشة من الزنا، ولهذا ورد في الرواية أنه قال لعائشة: «أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه».

 

وقد اعترف ابن تيمية في منهاج السنة بارتياب النبي في عائشة، حيث قال: وفي الصحيحين أنه قال لعائشة رضي الله عنها في قصة الإفك قبل أن يعلم النبي براءتها وكان قد ارتاب في أمرها فقال: يا عائشة أن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله.

 

وهذا كلام مردود؛ لأن النبي يعلم أن الله تعالى نزَّه جميع أنبيائه عن أن يقترنوا بامرأة فاجرة، وصان جميع نساء الأنبياء عن الوقوع في فاحشة كالزنا ونحوه، فكيف يرتاب في زوجة من زوجاته لقول بعض المنافقين وغيرهم؟

  

2) أن النبي عاقب عائشة من دون ذنب، وقد هجرها شهراً وهو لا يعلم أنها قارفت الزنا، وكان إذا جاء لزيارتها، قال: كيف تيكم؟ ولا يجلس عندها، ولا يخاطبها باسمها.

 

وهذا لا يمكن صدوره من رسول الله ؛ لأن الشك في الزوجة لا يسوِّغ هجرها، والتقصير في حقوقها، ولا سيما أنه قد تبين بعد ذلك أن عائشة كانت بريئة مما اتُّهمت به، فيكون النبي قد عاقب بريئاً من دون مسوِّغ صحيح، وهذا مما ينبغي تنزيه النبي عن الوقوع في مثله.

 

3) أن أبا بكر وصف عائشة بالخيانة. فقد روى الطبراني في معجمه الكبير 23/117 والأوسط، في حديث أن عائشة قالت: جاء أبو بكر فدخل عليَّ، فقال: يا رسول الله ما تنتظر بهذه التي خانتك وفضحتني؟

 

والحال أن من اتُّهمت بسوء لا يمكن وصفها بأنها خانت زوجها وفضحت أباها، ومع ذلك نرى أن النبي في هذا الحديث لم ينكر كلام أبي بكر، ولم يردَّه، وإنما سكت، ولم يحر جواباً.

 

4) في حديث عائشة أن سعد بن معاذ كان حاضراً: قَالَتْ عائشة: فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربتُ عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك... الخ.

 

مع أن سعد بن معاذ توفي في السنة الرابعة بعد غزوة بني قريظة، وحادثة الإفك وقعت في السنة السادسة، كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية 4/161 وغيره.

 

قال ابن حجر العسقلاني: قال عياض: في ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكال، لم يتكلم الناس عليه، ونبَّهنا عليه بعض شيوخنا، وذلك أن الإفك كان في المريسيع، وكانت سنة ست فيما ذكر ابن إسحاق، وسعد بن معاذ مات من الرمية التي رميها بالخندق، فدعا الله، فأبقاه حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر جرحه فمات منها، وكان ذلك سنة أربع عند الجميع، إلا ما زعم الواقدي أن ذلك كان سنة خمس، قال: وعلى كل تقدير فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة. (فتح الباري 8/580).

 

ولهذا اعترض على ذلك بعض علماء أهل السنة، منهم ابن عبد البر، وابن العربي، والقرطبي وغيرهم.

 

قال ابن حجر العسقلاني: واستشكله ابن حزم؛ لاعتقاده أن الخندق قبل المريسيع، وتعرض له ابن عبد البر فقال: رواية من روى أن سعد بن معاذ راجع في قصة الإفك سعد بن عبادة وهم وخطأ، وإنما راجع سعد بن عبادة أسيد بن حضير كما ذكره ابن إسحاق، وهو الصحيح، فإن سعد بن معاذ مات في منصرفهم من غزوة بني قريظة لا يختلفون في ذلك، فلم يدرك المريسيع ولا حضرها. وبالغ ابن العربي على عادته فقال: اتفق الرواة على أن ذكر ابن معاذ في قصة الإفك وهم، وتبعه على هذا الإطلاق القرطبي. (فتح الباري 8/581).

 

ثم إن ما يثير التساؤل هو أن ما قاله سعد بن معاذ، وما حصل بينه وبين سعد بن عبادة، وما حصل بين الأوس والخزرج إنما كان كل ذلك في المسجد، ولم تكن عائشة حاضرة حينئذ، فكيف علمت بذلك، ولا سيما أنها كانت كما تقول مشغولة بنفسها؟

 

5) أن عائشة ذكرت أن جماعة من الصحابة هلكوا فيمن هلك، منهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة وهو من أهل بدر، وحمنة بنت جحش وغيرهم.

 

وهذا يتنافى مع ما هو معروف عند القوم من القول بعدالة كل الصحابة، وأنهم كلهم في الجنة، وأن الله تعالى رضي عنهم، وأنهم رضوا عنه.

 

والعجيب أن بعض جهلة المخالفين يكفِّرون الشيعة بزعم أنهم صدَّقوا بقضية الإفك في عائشة، ولا يكفرون من افتعل الإفك من الأساس.

 

ثم إن الروايات التي عندهم مختلفة، ففي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله أقام الحد على من افتعلوا الإفك، وبعض آخر من الروايات أهمل فيها ذكر ذلك.

 

وعليه، فلو ثبت أن بعض الناس اتَّهموا عائشة بالزنا والعياذ بالله، فنحن وإن كنا نخطِّئ من يقول ذلك، وننكر عليه أشد الإنكار، إلا أن ذلك لا يستلزم الحكم بكفره إذا كان لا يقصد إلحاق العيب برسول الله ، ولم يلتفت إلى الملازمة بين قذف الزوجة وإلحاق الشين بزوجها، وحديث عائشة لم يدل على أن رسول الله حكم بكفر واحد ممن أشاعوا الإفك وأذاعوه.

 

6) أن أم رومان اتَّهمت نساء النبي بأنهن اللائي اتهمن عائشة بالزنا، فقالت: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا.

 

مع أن كل الحادثة التي روتها عائشة لا تدل على أنه كان لواحدة من زوجات رسول الله ضلع في افتعال الإفك أو إشاعته، فاتهام أم رومان لباقي نساء النبي صلى الله عليه وآله بأنهن وراء ذلك غريب وعجيب.

 

وفي رواية أخرى رواها البخاري في صحيحه، قالت أم رومان: فإنه والله، لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبّها، لها ضرائر، إلا حسدنها وقيل فيها.

 

وفيه اتهام لباقي أزواج النبي بالحسد مع افتعال الإفك أيضاً.

 

7) أن النبي ذكر قضية الإفك على المنبر، وأنه أشار إلى أن عبد الله بن أبي بن سلول قد آذاه في أهل بيته، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك.

 

وكادت أن تقع فتنة عظيمة بين الأوس والخزرج حول قتل من يثبت أنه قذف زوجة رسول الله بالزنا، مع أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن من قذف امرأة محصنة بريئة فإنه لا يُقتل، وإنما يُجلد حد المفتري، وهو ثمانون جلدة، والأنصار كادوا أن يقتتلوا على أمر ليس بصحيح، والنبي سمع ذلك من سعد بن معاذ، ولم ينكره، ولم يبين خطأه فيه. والنبي لا يمكن أن يسمع منكراً من القول وزوراً، فيسكت عنه، ولا يردّه.

  

8) أن حديث الإفك صوَّر النبي بأنه كان متحيِّراً متخبِّطاً، لا يعرف ما يصنع، ولا يهتدي إلى حل هذه القضية، ولهذا استشار نساء ورجالاً لا فائدة في استشارتهم.

منهم: زينب بنت جحش.

 

قَالَتْ عَائِشَةُ: وكان رسول الله يسأل زينب ابنة جحش عن أمري، فقال: يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً.

 

كما أنه استشار أسامة بن زيد وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

 

قَالَتْ عائشة: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله، أهلك، وما نعلم إلا خيراً، وأما علي بن أبى طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.

 

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن عائشة بريرة التي وُصفت في بعض ألفاظ الحديث بأنها خادمة عائشة، فقال لها: أي بريرة، هل رأيت عليها من شيء يريبك؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.

 

والنبي صلى الله عليه وآله يعرف حكم الله تعالى في هذه المسألة، وهي أنه يجب عليه تبرئة زوجه المتهمة بالفاحشة، كما يجب على كل مؤمن أن يبرِّئ كل امرأة محصنة قُذفت بالزنا، ولا حاجة لسؤال الناس عنها.

 

ولو سلمنا أن بريرة أو غيرها قالت: «إني قد ارتبتُ من عائشة»، فإن الريبة لا يترتب عليها حكم شرعي، ولا قيمة لها عند الله تعالى في هذه الأمور. بل حتى لو قالت الجارية: «رأيت عائشة تزني»، فإن الزنا لا يثبت بقولها؛ لأن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال عدول، يرون حادثة الزنا، ويرون كالميل في المكحلة، ويكون اجتماعهم في ذلك المكان لا لغرض رؤية الزانيين، وإنما اجتمعوا لأمر آخر، ولا بد أن يشهدوا عند الحاكم جميعاً في وقت واحد، ولو شهدوا عنده متفرِّقين، فإن شهادتهم لا تُقبل، وغير ذلك مما هو مدون في كتب الفقه.

 

 

والنتيجة أن من تأمل حديث الإفك المروي عن عائشة يشكك في صحّة مضمونه، ولا يثبت به أن عائشة اتهمت بالزنا، وأن الله تعالى أنزل براءتها في آيات الأفك، ولعل هذا الحديث مكذوب من الأساس على عائشة؛ لأن الكذب قد فشا وانتشر في ذلك الوقت، ودُسَّت أحاديث كثيرة جداً في كتب المسلمين لا تصح.  مع أن ألفاظ حديث الأفك قد روي عن عائشة باختلاف كبير وتباين شديد، وهذا يوهن الحديث، ويضعفه.

 

 

 

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو سعيد الخطي
[ القطيف الحبيبة ]: 26 / 2 / 2011م - 7:35 م
بحث رائع سماحة الشيخ،، في الحقيقة كنت أتساءل هل انقطعت التأملات أم ماذا؟!
لفت انتباهي أن بحث الجمعة الماضي(اتباع الهوى وطول الأمل)لا يظهر على الصفحة الرئيسية وعدد قراءه قليلون...

أجدد شكري لكم مرة أخرى ولكم خالص المودة والتقدير
2
حسنين الوائلي
[ العراق - بغداد ]: 3 / 3 / 2011م - 12:21 م
سلام عليكم شيخنا الجليل
اليس في بعض التحقيقات ان حادثة الافك كانت في( مارية) زوج النبي ص وان الذي اتهمتها في ذلك عائشة وبعض من انصارها فقذفنها بالفاحشة فنزلت الايات في تبريئة (مارية ) وصيانتها من الفاحشة؟؟؟؟ هذا والله العالم
_______
ملاحظة... الى الشيخ الجليل علي آل محسن..بعثت اليك باميل استفسره به عن صحة نصوص (الامامة) عند الامامية فلم يجئني الجواب وانا بامس الحاجة اليه جزاكم الله خيرا..وارجو الجواب والسلام
تعليق الإدارة:
بسم الله الرحمن الرحيم سيأتي سبب نزول آية الإفك في محاضرة أخرى ، فانتظر وسيجيب سماحة الشيخ على سؤالك إن شاء الله قريبا، ولك خالص الشكر.