مَن المسؤول عن عمليات القتل الطائفي؟

 

كثيراً ما يردد بعضهم اتهام الشيعة في العراق وباكستان وغيرهما بأنهم يقومون بعمليات الإبادة الجماعية لأهل السنة، وقتلهم بالهوية، ومن المعلوم أنها اتهامات متبادلة بين السنة والشيعة، ومن السهل جداً اتهام كل طرف للطرف الآخر بما هو سيئ، وإلقاء كل طرف تبعة ما يحدث على الطرف الآخر، ولكن من الصعب جداً إثبات ذلك بالحوادث والأرقام الموثقة.

ونحن لا نلوم عوام أهل السنة الذين يرددون أمثال هذه الاتهامات إذا كان جملة من العلماء الأجلاء الذين لهم ثقلهم العلمي والاجتماعي، وهم في موقع المسؤولية يرددون من غير تحقيق وتثبت اتهام الشيعة في العراق بقتل أهل السنة، غير مدركين لأبعاد كلامهم الذي يذكي نار الطائفية، ويؤجج نائرة الفتنة، مع أن مسؤولية هؤلاء العلماء تحتم عليهم أن يعملوا على توحيد الصف ولم الشمل، وإيجاد الحلول الملائمة لرفع ومنع كل أسباب الاحتقان الطائفي بين السنة والشيعة، بدلاً من صب الزيت على النار، واتهام الآخرين بأمور لا ينبغي اتهامهم بها.

وما يجري في الساحة العراقية في حقيقته ليس فتنة طائفية، وإنما هو استغلال للدين والطائفية من أجل تحقيق مكاسب سياسية، كما هو حاصل في كثير من الدول التي استغل فيها الدين من أجل الحصول على مميزات أو مكاسب سياسية أو مادية لا تحصل عادة إلا عن هذا الطريق.

والصراعات الدموية التي وقعت بين الأحزاب السنية في الجزائر وأفغانستان وغيرهما دليل واضح على أن منشأ الصراع ليس طائفياً وإن صُبغ بصبغة طائفية في بعض الأحيان.

ومن الغريب حقاً أن يُتَّهم الشيعة في العراق بأنهم يقومون بتصفية أهل السنة العراقيين بصورة بشعة كما صدر من بعضهم، مع أن الحوادث الواضحة التي بثتها الفضائيات الأخبارية (غير الشيعية) تدل على خلاف ذلك.

وغني عن البيان أن نقول: إن النظام البعثي البائد (وهو سني الهوية والتوجه) قد عمل على تصفية مراجع وعلماء وعوام الشيعة العراقيين وتهجير الملايين منهم على مدى خمس وثلاثين سنة، بمرأى وبمسمع من العالم من دون أن يحرك ذلك ساكناً عند أهل السنة.

وبعد سقوط النظام البعثي تصدى بلا هوادة أبو مصعب الزرقاوي (وهو سني التوجه)، لإبادة الشيعة أولاً، ثم الأمريكان ثانياً، وأعلن مسؤوليته عن كثير من التفجيرات التي وقعت في النجف وكربلاء وغيرهما، وكانت أعماله تحظى بمباركة بعض أهل السنة الذين وصفوه بعد موته بالمجاهد الشهيد.

ولئن برز أبو مصعب (سني) يستهدف قتل الشيعة بالهوية، فإنه لم يبرز أي شيعي يستهدف أهل السنة، ويتهددهم بالقتل والتشريد.

وعندما نحصي حوادث التفجيرات التي وقعت في العراق نجد أن أغلبها قد وقع في مناطق الشيعة، كالتفجير الذي استهدف السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله، وراح ضحية فيه مئات من الشيعة، وحادثة جسر الأئمة في بغداد التي قتل فيها أكثر من ألف من الشيعة، وحادثة تفجير حرم الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء، وحوادث تفجير مسجد براثا، والتفجيرات التي وقعت في النجف وكربلاء والحلة ومدينة الصدر وغيرها، وأما حوادث القتل والتشريد التي طالت الأبرياء من أهل السنة في الفلوجة وغيرها، فكانت بسبب الاشتباك مع القوات الأمريكية، ولم تكن بجناية متطرفين من الشيعة، كما سببت اشتباكات النجف الأشرف تشريد الآلاف من الشيعة، ولذلك صرح الرئيس العراقي جلال الطالباني (وهو سني المذهب) بأن أكثر ضحايا الإرهاب في العراق كانوا من الشيعة.

ولا يعني ذلك أن أهل السنة العراقيين كانوا في مأمن من القتل والضرر، فإن الفتن الطائفية تصيب البريء والمسيء، ومن تأمل في تلك الحوادث وغيرها فمن الخطأ أن يجزم بأن أهل السنة هم الذين قتلوا كل أولئك الشيعة، أو أن الشيعة هم الذين قتلوا من قُتل من أهل السنة، لأن هناك أصابع خفية تعبث في الظلام، لا تنتمي إلى السنة ولا إلى الشيعة، وإن كانت أصولها سنية أو شيعية، فتقتل الشيعة، وتفجر مساجدهم، وتدمر عتباتهم المقدسة، ولعلها هي نفسها التي تقتل أهل السنة وتفجر مساجدهم، لأنها تعمل جاهدة لزرع فتيل الفتنة وإذكاء الطائفية وبث الكراهية بين السنة والشيعة.

ولو تبين لنا بالدليل الصحيح لا بمجرد الدعاوى والاتهامات أن الذين زرعوا المفخخات في مناطق الشيعة هم من أهل السنة، سواء أكانوا بعثيين أم غيرهم، وأن الذين زرعوا المتفجرات في المناطق السنية كانوا من الشيعة، فمن الخطأ البين تحميل كل أهل السنة، وتحميل كل الشيعة آثام أولئك الجهلة السفاحين، وإنما وزر هؤلاء على أنفسهم، وعلى من أفتاهم بقتل الأبرياء، ومن رضي بأفعالهم فهو شريك معهم في آثامهم، ولا ريب أن كل علماء المسلمين ـ سنة وشيعة ـ يرفضون قتل الأبرياء الآمنين بالهوية، ويحرمون قتل المدنيين العزل بالانتماء المذهبي، بل إن ذلك تحرمه كل الأديان السماوية، والمبادئ الإنسانية، والأعراف الدولية.

ونحن ندعو العلماء من السنة والشيعة لإصدار الفتاوى الواضحة لأتباعهم ومريديهم التي تحرم قتل الأبرياء بالهوية، وتدعو إلى احترام دماء المسلمين بشتى مذاهبهم، وتمنع التعدي على أعراض وأموال كل أهل القبلة، لكي لا يتمكن أي مغرض من استغلال الطائفية للحصول على مكاسب دنيوية، ولئلا يتطاير شرر الفتنة الطائفية فتنال القاصي والداني والبريء والمسيء، كما قال تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 25).   جنب الله المسلمين شرور البلايا والفتن، ووقاهم من كل الأضرار والمحن، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.